زوبعة البابا.. بداية لصراع حضاري؟

ما أن ساد بعض الهدوء إثرالزوبعة التي سببتها نشر الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في الدنمارك ، إلا أن هبت عاصفة تصريحات البابا لتؤجج المشكلة و تزيد من الطين بلة
في الحقيقة من الصعب التكهن بنوايا البابا الحقيقية مما قاله ولكن على كل الأحوال أتحفظ هنا على استخدام مصطلح تصريحات البابا، لأنه لم يقلها في لقاء تلفزيوني أو في مقابلة صحفية لكنها كانت ضمن إطار أكاديمي بحت في محاضرة في جامعة بون وهنا يجب علينا أن نفرق ما بين تصريح إعلامي و أطروحة أكاديمية مبنية على أسس علمية صحيحة من وجهة نظر الرجل على الأقل، وبالتالي كان الأولى بنا أن نرد على ما قاله بنوع من الحكمة وبأسلوب محاور أكاديمي علمي بدون أي مظهر من مظاهر العنف أو الصراخ والعويل أو خروج الآلاف إلى الشوارع للتظاهر ،بل وزاد الأمر عن حده في بعض المناطق بإلقاء زجاجات حارقة على بعض الكنائس فمثل هذه التصرفات لن تظهرنا إلا كأناس سذج يمكن استثارتهم حتى لو بكلمة عابرة.
لو تأملنا قليلا بما قاله البابا لوجدنا أنه اقتبس بعض العبارات التي جاءت على لسان الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني في القرن الرابع عشر حين أنه اتهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن كل ما جلبه للبشرية هو الشر وأن الإسلام انتشر بحد السيف، إذن البابا أورد في محاضرته هذا الإقتباس التاريخي عن هذا الإمبراطور ولا يعني ذلك بالضرورة أن البابا موافق على هذا الكلام وهنا أذكر المثل القائل إذا كان بيتك من زجاج فلا تلقي الناس بالحجارة،أعني هنا وللأسف الشديد بعض الرموز الدينية في العالم الإسلامي التي لا تكف عن نعت الغرب بالكفرة الملحدين ولا يتوانوا عن وصف الديانة المسيحية بأنها نصرانية باطلة محرفة بأسلوب متعجرف خالي من روح الحوار والنقاش البناء،فإذا لم تكن لديك سعة صدر لمجرد سماع اقتباس فكيف تعطي لنفسك الحق في الحديث عنهم بهذا الأسلوب؟ ولماذا لا يستشيط الشارع الغربي غضبا على مثل تلك التصريحات؟؟ لأنهم ببساطة شديدة ليس لديهم الوقت والقناعة الكافية للإنشغال بمثل هذه المناوشات التي لا يرون فيها غير مضيعة للوقت وعقبة أمام عجلة تقدم المجتمع الفكري والعلمي والثقافي، ولأنهم نزيهون وحريصون جدا على إتمام عملهم على أقصى درجة من الدقة وبالتالي لا تجد الشباب المتسكع في الشوارع بدون أي هدف إنما تراهم كخلايا النمل النشيطة العاملة بجد لبناء مستعمراتها
وهنا أتذكر أيضا مقالة رائعة كتبها في جريدة الإندبندت العالم المصري النابغة الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل بعنوان جهاد من أجل المستقبل، حين لخص أسباب تدهور مجتمعاتنا العربية ووضع في الواقع وصفة رائعة للخروج من هذه الحالة المتردية التي نعاني منها في أوطاننا، و في أحد عباراته يقول الدكتور زويل أناشد الشعب العربي ان يشارك في عمليّة التغيير التاريخي هذه وألا ينشغلوا بأيديولوجيات الماضي ونظريات المؤامرة للمستقبل ، وهنا وضع الإصبع على الجرح داعيا إلى عدم الإكتراث الزائد عن حده بأيدولوجيات الماضي وإلى التركيز في بناء مجتمعاتنا بروح التحدي المهملة لمثل هذه القضايا التي أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الخلافات بين السنة والشيعة التي سببها سياسي لا أكثر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على موضوع الخلافة، لكننا نسترجع ونحيي مثل تلك الخلافات من قبل 1400 عام من جديد والنتيجة هي أننا على أعتاب حرب أهلية في العراق لن تحمد عقباها
زكي السعداوي









